مرتضى الزبيدي
39
تاج العروس
وفي الحديث . ذُكِرَ : " ذو أمَرٍ " - محرَّكةً - وهو موضعٌ بنَجْدٍ مِن ديار غَطَفَانَ ، قال مُدْرِكُ بنُ لأْيٍ . تَرَبَّعَتْ مُوَاسِلاً وذا أمَرْ * فمُلْتَقَى البَطْنَيْنِ مِن حيثُ انْفَجَرْ ( 1 ) وكان رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم خَرَجَ إليه لجَمْع مُحَارِب ، فهربَ القومُ منه إلى رُؤُوس الجِبال ، وزَعِيمُهُم دُعْثُورُ بنُ الحارثِ المُحَارِبيُّ ، فعَسْكَر المسلمون به . وذو أمَرّ ، مثلُه مشدَّداً : ماءٌ أو قريةٌ مِن الشام . والأمِيرِيَّة ، ومَحَلَّةُ الأمِير : قَرْيَتَانِ بمصر . تَذْيِيلٌ : قال اللهُ عزَّ وجلَّ : ( وإذا أرَدْنَا أنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فيها ( 2 ) ) ، قال ابن منظور : أكثرُ القراءِ " أَمَرْنا " ، ورَوَى خارِجَةُ عن نافع : " آمَرْنَا " بالمَدّ ، وسائرُ أصحابِ نافعٍ رَوَوْه عنه مَقْصُوراً . ورًوِىَ عن أبي عَمْروٍ : " أمَّرْنَا " ، بالتَّشْدِيد ، وسائرُ أصحابِه رَوَوْه بتخفِيفِ المِيمِ وبالقَصْر ، وَرَوَى هُدْبَةُ عن حَمّادِ بنِ سَلَمَةَ عن ابنِ كَثِيرٍ بالتَّشديد ، وسائرُ النَّاسِ رَوَوْه عنه مخفَّفاً ، وَرَوَى سَلَمَةُ عن الفَرّاءِ : مَنْ قرأ : " أمَرْنَا " خَفِيفَةً فَسَّرها بعضُهُم أمَرنا مُترفِيها بالطّاعة ففسقُوا فيها ، أن ( 3 ) المُتْرَفَ إذ أُمِرَ بالطّاَعَة خالَفَ إلى الفِسْق ، قال الفَرّاءُ : وقرأَ الحَسَنُ : " آمَرنا " ، ورُوِيَ عنه : " أمَرنا " ، قال ورُوِيَ عنه انه بمعنى أكْثَرْنَا ، قال : ولا نرَى أنها حُفِظَتْ عَنْه ، لأنَّا لا نعرفُ معناها هنا ، ومعنى آمرنا بالمَدِّ أكثَرْنا ، قال : وقرأ أبو العالِيَةِ : أمَّرنا ، وهو موافِقٌ لتفسِيرِ ابنِ عَبّاس ، وذلك أنّه قال : سَلَّطْنَا رُؤَساءَهَا ففسَقُوا ، وقال الزَّجّاج نحواً ممّا قال الفَرّاءِ ، قال : ومَن قرأ : " أمَرنا " بالتَّخْفِيف ، فالمعنى أمِرناهم بالطّاعة ففسَقوا ، فإن قال قائلٌ : ألستَ تقول : أمَرْتُ زيداً فَضَرب عَمْراً ، والمعنى أنكَ أمَرْتَه أن يَضْربَ ، فهذا اللَّفْظُ لا يَدُلّ على غير الضَّرْب ، ومثلُه قولُه : ( أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فيها ) أَمَرْتُكَ فَعَصَيْتَنِي ، فقد عُلِمَ أنّ المَعْصِيةَ مخَالَفَةٌ الأمرِ ، وذلك الفِسقُ مخالفة أمْرِ اللهِ ، وقرأ الحَسَنُ : ( أمِرْنَا مُترفيها ) على مِثال عَلِمْنَا ، قال ابنُ سِيدَه : وعسَى أن تكون هذه لغةً ثالثةً قال الجَوهَريُّ : معناه أمَرْنَاهُم بالطّاعة فعَصَوْا ، قال : وقد تكونُ مِن الإمارة ، قال : وقد قِيل : أمِرْنا مُتْرَفِيها : كَثَّرْنَا مُترَفِيها ، والدليلُ على هذا قولُ النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم : " خيرُ المالِ سِكَّةٌ مأْبُورَةٌ أو مُهْرَةٌ مَأْمُورةٌ " ، أي مُكَثِّرةٌ . تَكْمِيلٌ : وإذَا أمَرْتَ مِن أَمَرَ قلتَ : مُرْ ، وأصلُه اؤْمُرْ ( 4 ) فلما اجتمعتْ همزتان وكَثُرَ استعمالُ الكلمةِ حُذِفت الهمزةُ الأصليّةُ ، فزال السّاكنُ فاستُغْنِيَ عن الهمزةِ الزائدةِ ، وقد جاءَ على الأصْل ، وفي التَّنْزِيل العزيز : ( وأْمُرْ أهْلَكَ بالصَّلاةِ ( 5 ) ) ، وفيه : ( خُذِ العَفْوَ وأْمُرْ بالعُرْفِ ( 6 ) ) . وفي التَّهْذِيبِ : قال اللَّيْث : ولا يقال : أُومُرْ فلاناً ولا أُوخُذْ منه شيئاً ، ولا أُوْكُلْ ( 7 ) . إنّمَا يقال : مُرْ وكُلْ وخُذْ ، في الابتداءِ بالأمْر ، استثقالاً للضَّمَّتَيْنِ ، فإذا تقدَّم قبلَ الكلامِ واوٌ أو فاءٌ قلتَ : وأْمُرْ ، فأْمُرْ ، كما قال عزّ وجلّ : ( وأْمُرْ أَهْلَكَ بالصّلاةِ ) ، فأمّا كُلْ مِن أكلَ يأْكُل فلا يكادُ ( 8 ) يُدخِلُون فيه الهَمْزةَ مع الفاءِ والواوِ ، ويقولون : وكُلا ، وخُذَا ، وارْفَعَاه فكُلاه ، ولا يقولون : فَأْكُلاه ، قال : وهذه أحْرفٌ جاءَتْ عن العربِ نَوَادِرَ ، وذلك أنّ أكثرَ كلامِهَا في كلِّ فِعْلٍ أولُه همزةٌ ، مثل أبَلَ يَأْبِلُ ، وأَسَرَ يَأْسِرُ ، أنْ يَكْسِرُوا يَفْعِلُ منه ، وكذلك أبَقَ يَأْبِقُ فإذا كان الفِعْلُ الذي أولُه همزةٌ ويفْعِلُ منه مكسوراً مَرْدُوداً إلى الأمْر ، قيل : إيسِرْ فلانُ ، إيبِقْ يا غُلامُ ، وكان ( 9 ) أصْلُه إأْسِرْ بهمزتَيْن ، فكَرِهُوا جَمْعاً بين همزتَيْن فحَوَّلُوا إحداهما ياءً ، إذ كان ما قبلَها مكسوراً ، قال : وكان حَقُّ الأمر من أَمَرَ يَأُمُر وأخذ يأْخُذُ وأكل يأْكلُ أن يقال : أُؤمُرْ ، أُؤْخُذْ ، أُؤْكُلء ، بهمزتين ، فتُرِكَتْ الهمزةُ الثانيةُ وحُوِّلتْ واواً للضَّمَّةِ ، فاجتمعَ في الحَرْف ضَمَّتَان بينهما واوٌ ، والضَّمَّةُ مِن جنس الواو ،
--> ( 1 ) مواصل : جبل ، والبطنان : موضعان . ( 2 ) سورة الإسراء الآية 16 . ( 3 ) بهامش المطبوعة المصرية : " قوله : أن الخ كذا بخطه وباللسان أيضا ، ولعل الظاهر : إذ . ( 4 ) عن التهذيب ، وبالأصل : " أؤمر " . ( 5 ) سورة طه الآية 132 . ( 6 ) سورة الأعراف الآية 132 . ( 7 ) عبارة التهذيب : " ولا يقال : أؤمر فلانا ، ولا أؤخذ منه شيئا ولا أؤكل " وما في الأصل يتفق مع اللسان نقلا عن التهذيب . ( 8 ) في التهذيب : يكادون . ( 9 ) التهذيب واللسان : وكأن .